محمد كرد علي
6
خطط الشام
تامة ، ورابطته متينة ، وقيادته موحدة ، فلما ضعفت مميزاته ، انحلت المملكة وانقسمت إلى مملكتين : مملكة الروم الشرقية وعاصمتها القسطنطينية ، ومملكة الروم الغربية وعاصمتها رومية . وكان نصيب هذا القطر أن يقع في حصة المملكة الشرقية في القسمة . وهذه المملكة هي التي حاربتها جيوش العرب لما جاءت لفتح الشام . وكان الجيش الرومي الذي قاتل العرب على اليرموك وفي دمشق وفحل وأجنادين وقيسارية وبيسان وقنسرين وإيلياء مؤلفا من الروم ومن العرب المتنصرة ومن الأرمن ، وجمهرته الروم ، وإذ كان جيشا مرتجلا لم يدرب زمنا وكان جيش العرب روحا واحدا ، كتبت له الغلبة على قلته وكثرة عدد أعدائه وعددهم ، فنال الجيش العربي من الروم ، وإن كانوا لأول أمرهم مشهورين بالطاعة لسادتهم ، ولما جاءتهم العرب كان أمرهم قد انحلّ ، وميزاتهم قد ضعفت ، بل أصبح جيشهم مثال الجيوش المتفسخة ، ووقعتهم على الواقوصة في اليرموك مع العرب من أدهش أمارات الضعف والغفلة . كان الجيش العربي مشهورا بنظامه وطاعته لقواده ، ومهارة هؤلاء وحنكتهم ، وكانت للعرب عناية خاصة بالاحتفاظ بخطوط رجعتهم ، ولكن أية رجعة لجيش منه من جاء من مكان قصي يبلغ طوله ألفي كيلومتر ، ومنه من أقل ومنه من أكثر ، وإذا فرضنا أن مدينة الرسول كانت أس الحركات الحربية ، وأن العرب كانوا قد فتحوا الحجاز كله يوم جاءوا لفتح الشام ، فجعلوا معسكرهم في أقصى حدودها الشمالية ، فخط الرجعة على كل حال لا يقل عن بضع مئات من الكيلومترات ، يمر في سباسب وبواد لا ماء في أكثرها ولا كلأ ، وكيف كان يتأتى الظفر لو لم يكن قلب كل جندي حصنا قائما بالإيمان ، معمورا بالطاعة للسلطان ؟ كان الجيش الذي فتح الشام مخفا مقلا من كل شيء ، مقلا من الزاد ، مقلا من السلاح ، مقلا من الظهر ، والخيول قليلة فيه والإبل أكثر ، والإبل تصبر على العطش أياما ، أما الجند العربي فكان يصبر على الجوع والعطش معا . قال جويدي : تعلمت العرب صناعة الحرب من الفرس والروم وكان ذلك سببا لدخول ألفاظ رومية وفارسية كثيرة في لغتهم .